جريدة يعمون



والغواني يغرهن الثناء

كتبهامحمد خصاونة ، في 4 شباط 2008 الساعة: 06:00 ص

يقولون ( ولا أدري من أين جاءوا بهذا الاشتقاق ) بأن كلمة الغواني كانت في الماضي تدل على معنى محترم وتوصف بها المرأة ذات العز والكرامة وكانت بعيدة كل البعد عن الصور السيئة التي يمكن أن تحملها هذه العبارة وتوصف بها المرأة الآن ، والغواني جمع غانية وهي على رأي البعض المرأة التي غنيت بحسنها وجمالها عن الحلي وقيل هي الشابة العفيفة ( والله أعلم ) ، ويرى معاصرون بعد انتشار الفضائيات واجتياح موجة الغناء بالجسد بدلا من الاعتماد على الصوت أنها من الغناء ويطلق على المرأة التي تمتهن الغناء كوسيلة لاشباع الجسد غانية أو مغنية وفصل البعض فقالوا اذا اعتمدت من تمارس الغناء على شكلها وحركاتها الاغوائية فهي غانية أو مغنية واذا اعتمدت الصوت واللحن والكلمة طريقا للوصول الى قلوب السامعين سميت مطربة  هكذا قالوا أو قيل عنهم .

معظمنا قرأ او سمع البيت المشهور والذي ينسب الى أمير الشعراء أحمد شوقي حيث يقول :

                خدعوها بقولهم حسناء                 والغواني يغرهن الثناء        
         أتراها تناست اسمي لما         كثرت في غرامها الأسماء

وذكر الغواني يقودنا الى ما قاله حافظ ابراهيم  يوم خرجت النساء في مصر بأول مظاهرة تزامنت مع ثورة عام 1919 يومها رفعت المرأة المصرية الحجاب وخرجت سافرة ايذانا ببداية عصر التحرر من الاستعمار ومن الحجاب  :

               خرج الغواني يحتججن‏          ورحت أرقب جمعهنه
              ‏ فإذا بهن تخذن من‏            سود الثياب شعارهنه

               يمشين في كنف الوقار            وقد أبن شعورهنه     

           

ولقد سخر حافظ ابراهيم من الاحتلال الانجليزي الذي تصدى للمظاهرة النسائية وعاب عليه اعتبار هزيمته للنساء انتصارا وهذا دليل على أن النظرة الى النساء ( الغواني) كانت ولا تزال حتى في المواقف الصعبة التي قد تتفوق فيها المرأة على الرجل هي نظرة دونية يقول حافظ ابراهيم  في نهاية قصيدته:

    
              فليهنأ الجيش الفخور             بنصره وبكسرهنه 

 وفي قصيدة عمر بن أبي ربيعة : 

     كتب القتل والقتال علينا              وعلى الغانيات جر الذيولا

 التصق الغرور وجر الذيول بالنساء عامة وبالغواني منهن خاصة ، لم يتحدث أحد عن غرور الرجال وجرهم للذيول وان وجد فهو قليل ذلك لأن المتحدثين هم في الغالب رجال . غرور المرأة عموما يتأثر به شخص واحد أو أكثر هو المهتم المتيم أو من يريد اخضاع المرأة لنزواته ، أما غرور الرجل وجره الذيول فانه يدمر أمة بحالها .

أجد تشابها كبيرا بين أغلب زعماء هذه الأمة وبين الغواني بالمعنى المعاصر كما أجد تحولا بارزا بمفهوم الزعامة بين الامس واليوم . الزعامة اليوم هي من الزعم والزعم هو الادعاء ، بقدر ما تجيد فن الادعاء والضحك على الذقون تصبح زعيما ، و تتوالى المتوالية ، شلة من الناس احترفوا النفاق يوهمون آخر انه وحيد عصره وفريد زمانه يتقربوا اليه فيقربهم منه فيتصدروا مجلس الامر والنهي ويصبحوا في خانة الزعماء .

لا يعتمد معظم زعماء هذه الأيام على قدراتهم ومواهبهم الحقيقية في اقناع الناس وانما يسلكوا ما تسلكه الغواني بالمفهوم المعاصر وهو  الاعتماد على الشكل والحركات الاغوائية واكثر منها المنع والصد .

لم تعد الزعامة تعطى وانما أصبحت تؤخذ عنوة رضي الناس أم أبو كما أنها ما عادت تقتصر على العفيف الغني بذاته وانما اصبحت من اختصاص المتسللين القادرين على انتهاز الفرص .

الشعوب دائما هي من يدفع الثمن في الحروب والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية في الغلاء والوباء في الامراض السارية وغير السارية في الجوع والفقر . كتب القتل والقتال علينا نحن الشعوب أما القواد فانهم يهربون في أول طائرة متجهة نحو الغرب أو الى اقرب دولة مجاورة تستطيع حمايتهم . في الرخاء تكون الأوطان لهم  ، وفي الشدة تصبح لنا وحدنا  وعلينا أن نموت نحن لأجلها أما هم ففقدهم خسارة للأمة وللأوطان

ما وصلت اليه الأمة من هوان وذل لم يكن الا بفعل ما أصاب (قوادها) من غرور استدرجهم اليه وشجعهم عليه فئة من المرتزقة والمنافقين وذوي النزعات التسلقية والأغراض الخاصة ، هذا الغرور جعلهم لا يرون الا رأيهم ولا يسمعون الا أصوات المتكسبين والمتزلفين والمصفقين المطبلين ، وصار ت أبيات شوقي وعمر بن ابي ربيعة ملائمة لهم أكثر من مناسبتها للغانيات .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج